الموسوعة الجغرافية المصغرة

الكاتب: رامي -

الموسوعة الجغرافية المصغرة


ثالثاً: نباتات المناطق، الجافة وشبه الجافة



يتفق معظم الباحثين على أن الجفاف، يعني نقصاً في الموارد المائية، وازدياداً في طلبها. إلا أن هذا الطلب نسبي، فالجماعات البدوية، التي ترعى أغنامها في الصحراء، وتنتقل من مكان إلى آخر، بحثاً عن الماء والكلأ ـ لا تحتاج إلى المياه قدر حاجة التجمعات الحضرية إليها، في المدن، بسكانها ومشاريعها ومصانعها. فالمناطق، التي يمكن أن تسمى جافة أو غير جافة، هي، إذاً، مختلفة الخصائص، تحتاج إلى تعريفٍ أكثر تحديداً ووضوحاً للجفاف. ويمكن تمييز اتجاهَين في تحديدها:



ـ التعريف العلمي للمناطق الجافة.



ـ تعريف الصحراء؛ وهو محل اختلاف.



1. المناطق الجافة



تتسم المناطق الجافة بثلاث خصائص مميزة، تتحكم في مظاهر الجفاف، البادية على سطح الأرض، وعلى النشاط الحيوي؛ وهي:



ـ قِلة كميات التساقط.



ـ اضطراب التساقط، وتذبذبه بين موسم وآخر.



ـ ارتفاع المدى الحراري: اليومي والسنوي.



والمقياس المعوَّل عليه، في تحديد المناطق الجافة، هو المقارنة بين كميات التساقط والكميات المحتملة للتبخرنتح[1] Evapotranspiration. والأقاليم الجافة، تبعاً لذلك، هي تلك التي تزيد فيها معدلات التبخرنتح على معدلات التساقط، أو التي تقلّ مدخلاتها الرطوبية عن مخرجاتها (انظر شكل التساقط والتبخرنتح في جدة، وشكل التساقط والتبخرنتح في الخرطوم). وبناءً على ذلك، فقد أمكن تمييز مناطق صحراوية، تغطي 12% من أراضي العالم؛ وأخرى شبه صحراوية Semi-Deserts، تغطي 14.3% منها. أيْ أن المناطق الجافة، تغطي 26.3% من الكرة الأرضية.



ولكن تحديد المناطق الجافة، بالنظر إلى تفاضل المعدلات السنوية للتساقط والتبخرنتح فقط، لا يأخذ في الحسبان القيمة الفعلية للتساقط، وتغيُّرها بين فصول السنة؛ إذ إن تساقط 100 ملم من المطر، مثلاً، خلال الفصل الحار من السنة، سيكون أقلّ فائدة للأرض والنبات، من هطل الكمية نفسها، في المنطقة عينها، في الفصل المعتدل أو البارد من السنة؛ لأن معدلات التبخر والنتح، ستكون أقلّ، وما يمكث من الماء، حينئذٍ، في الأرض، لفائدة النبات، سيكون أكثر.



عَمِدَ ميقز Meigs (1953) إلى حساب مؤشر للرطوبة، مبني على العلاقة بين التبخر والنتح، من جهة، والتساقط، من جهة أخرى. وقد استبعد من حساباته المناطق الباردة، التي لا يمكن أن تُنْبت. وقد قسم مؤشر الرطوبة تبعاً لإمكانية الإنبات، وأضاف قسماً خاصاً بالمناطق، التي لم يسجل فيها تساقط، طيلة اثنَي عشر شهراً متتالية (انظر جدول مؤشر الرطوبة).



ونظراً إلى أهمية هذا الجانب، فقد حظي باهتمام بالغ من العلماء؛ وطورت عدة طرائق لقياس التبخرنتح. كانت أعمال الفيزيائي البريطاني، جون دالتون John Dalton، في بداية القرن التاسع عشر، منطلقاً للكثير من هذه الأعمال. فالعلاقة التي صاغها، وأصبحت، فيما بعد، تعرف باسم قانون دالتون Dalton’s Law، تقول بأن معدل التبخر، يتأثر بعاملَين، هما: سرعة الرياح Windspeed، وعجز الإشباع الرطوبي في الهواء Saturation deficit، وتكتب، بشكلها العام، كالتالي:



 



E =  f(u) (es - ea)



E   =     التبخر.



F(u)      =     دالة سرعة الرياح.



es   =     الضغط الإشباعي لبخار الماء.



ea     =     ضغط بخار الماء.



وربما كان أكثر النماذج، المستخدمة في هذا الجانب، دقة، وأوسعها استخداماً، في الوقت الحاضر، هو نموذج بنمان ـ مونتيث Penman-Monteith، الذي يحسب بواسطته معدل التبخرنتح مباشرة، من خلال سلسلة من المتغيرات.



وقد طورت منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) FAO، معادلاتها الخاصة بحساب كمية التبخر المعياري، بالاعتماد على نموذج بنمان ـ مونتيث، مع سلسلة من العلاقات الأخرى، التي تجمع متغيرات مرتبطة بصافي الإشعاع عند سطح الأرض[2] Rn، والتبادل الحراري للتربة[3] G، والمتوسط اليومي لدرجات الحرارة[4] T، وسرعة الرياح على ارتفاع مترَين من السطح[5] U2، وضغط بخار الماء الإشباعي[6] es، وضغط بخار الماء[7] ea، والعجز في ضغط بخار الماء الإشباعي[8] es-ea، وانحدار منحنى ضغط بخار الماء[9] ?ea ويحسب التبخرنتح المعياري (mm day-1) بالملليمتر، في اليوم، بالمعادلة التالية:



 



ET0 =





0.408 ?ea (Rn-G)+? 900/T+273 U2(es-ea)






?ea + ? (1+0،34 U2)



ويمكن جمع المناطق الجافة، وتلك شديدة الجفاف، تحت اسم صحارٍ.



والصحراء، في اللغة العربية، هي البرِّية، نسبة إلى البَر، وهو الواسع من الأرض؛ وسميت بذلك للون ترابها. وتنعتها العرب بنعوت شتّى، منها: القفار، وهو الخلاء من الأرض؛ والفلاة، وهي الأرض الخالية من الماء. والمَوْمَاة؛ والمفازة؛ وسميت بذلك، لأنها مهلكة: فوَّز تفويزاً أيْ هلك؛ واليَهْماء، هي المفازة التي لا ماء فيها، والخالية من معالم، يُهتدى بها؛ والهَيْماء، الفلاة، لا ماء فيها كأن قاطعها يهيم على وجهه.



وتطلق الصحراء، اصطلاحاً، على أيّ أرض قاحلة، شحيحة المياه؛ وبها نمو نباتي مشتت (انظر صورة الأراضي الصحراوية القاحلة)، له صفات جفافية خاصة. لذلك، فهي قليلة السكان، والزراعة فيها غير عملية. فهي، إذاً، لا يلزم أن تكون ذات أراضٍ، رملية أو صخرية، عارية من النبات تماماً؛ بل تتسع لتشمل جميع الأراضي، الفقيرة مواردها، المائية والحيوية؛ بما في ذلك الصحاري القطبية المتجمدة. وقد بُني هذا التعريف للصحراء على ظروف التربة، وانتشار النبات والحيوان وتنوعهما، ومدى توافر الموارد المائية، واستخدام الأراضي.



تغطي المناطق: الجافة وشبه الجافة، مساحات واسعة من أراضي العالم، ولاسيما في النُّطُق المدارية ودون المدارية (انظر جدول المساحات الصحراوية في العالم). ويتيح توزُّع المناطق الصحراوية، تحديد ثلاثة عوامل رئيسية للجفاف، تسهم في تكوُّن ثلاثة أنواع من الصحاري، هي:



(1) الأراضي الصحراوية، الناجمة عن وقوعها في ظِل المطر.



(2) الأراضي الصحراوية القارية، الواقعة بعيداً عن المؤثرات المحيطية.



(3) الأراضي الصحراوية، الناجمة عن الدورة الهوائية العامة.



(1) صحارٍ تكونت في أراضٍ، تقع في ظل المطر[10]، خلف سلاسل جبلية عالية



تدفع السلاسل الجبلية الرياح إلى أعلى، فتُسقط ما تحمله من بخار ماء قبل أن تنحدر على الجانب الآخر للجبال، والأراضي الواقعة خلفها، وقد أصبحت جافة. ويزداد جفاف الرياح بارتفاع درجة حرارتها، عند انحدارها نحو الأسفل؛ ما يجعلها تمتص ما على سطح التربة من رطوبة، مسببة تكوُّن أراضٍ صحراوية جافة (انظر شكل تكوُّن صحاري ظل المطر). هذا النوع من الرياح، يهب، عادة، في النطاق الخلفي لأماكن الأمطار التضاريسية[11]. ومن أبرز الأمثلة على صحاري ظِل الأمطار صحاري الغرب الأمريكي، في كاليفورنيا ونيفادا.



تهبّ من المحيط الهادي على سواحل ولاية كاليفورنيا، الوسطى والشمالية، رياح غربية، هواؤها رطب. وتطاول سلاسل جبال سيرا نيفادا Sierra Nevada، التي تفوق قممها 4 آلاف متر فوق مستوى سطح البحر. وبارتفاع هذه الرياح، يتكثف ما بها من بخار ماء، فتسقط أمطاراً غزيرة على السفوح الغربية المواجهة لها. ولكن الهواء، حينما يتجاوز قمم الجبال، نحو السفوح الشرقية، يبدأ بالانحدار، مرة أخرى، إلى مستوى سطح البحر، بل إلى ما دونه، كما في وادي الموت Death Valley. ويسفر تضاغط الموجات الهوائية، عند انحدارها، عن ارتفاع حرارتها Adiabatic heating؛ ما يخفض رطوبتها، ويزيد قابليتها لحمل بخار الماء؛ فتتكوَّن صحاري الغرب الأمريكي، في شرقي كاليفورنيا، وفي نيفادا. ويطلق على الرياح الجافة، التي تهب على تلك الصحاري من المرتفعات الغربية: رياح تشينهوك[12] Chinhook Wind.



وفي أمريكا الجنوبية، يسبب اعتراض جبال الأنديز للرياح الغربية، تكوُّن صحراء بتاجونيا[13]patagonia ، بالطريقة نفسها.



(2) صحارٍ قارية، بعيدة عن المؤثرات المحيطية



يكون هذا النوع من الصحاري مرتبطاً بالبعد عن البحار. ويرتبط تأثير ذلك البعد باتجاه الرياح السائدة، التي تنقل المؤثرات البحرية مسافات طويلة، داخل القارات. ومن أبرز أمثلة هذا النوع من الصحاري، صحاري وسط آسيا، التي يعزى جفافها في الدرجة الأولى، إلى موقعها القاري، البعيد عن المؤثرات البحرية. ونتيجة لوقوعها وسط أكبر مساحة يابسة متصلة على سطح الأرض (أوراسيا)، فإنها تقع، في الشتاء، تحت تأثير نظام ضد إعصاري[14] ضخم، وقوي، يحول دون وصول المؤثرات المحيطية إليها. كما يسهم الشكل الحوضي لطبوغرافية وسط القارة الآسيوية، في زيادة العوائق دون وصول المؤثرات المحيطية إلى وسط القارة. وتمتد صحاري وسط آسيا من بحر قزوين[15] Caspian Sea شرقاً إلى حافة خنجان؛ ولكن النطاق الصحراوي غير متصل، لأن المرتفعات العديدة، تقطعه إلى عدد من الأحواض المنعزلة.



والملاحظ أن الأمطار القليلة، التي تسقط على المناطق القريبة من بحر قزوين، في كاراكوم[16] Cara Kum، هي شتوية؛ وذلك يوحي بوصول مؤثرات نظام البحر الأبيض المتوسط. ويتحول نظام الأمطار إلى صيفي، في الشرق، في صحراء جوبي[17] Gobi. كما أن المدى الحراري كبير جداً؛ إذ يبلغ 90ْ درجة مئوية، وخاصة في حوض تاريم Tarim basin، الذي يشغل معظم صحراء تكلامكان[18] Takla Makan (انظر شكل الرقعة المكانية للصحارى القارية).



(3) صحارٍ مرتبطة بالدورة الهوائية العامة



وتسهم الدورة الهوائية العامة في جفاف الهواء، وبالتالي جفاف المناطق التي يهب عليها، في إحدى حالتين:



(أ) الصحاري المدارية، إذ يرتفع الهواء في الدورة الهوائية العامة، إلى أعلى فوق خط الاستواء، في منطقة الرهو الاستوائي Intertropical Convergence Zone IلإCZ؛ وذلك نتيجة لاكتسابه الحرارة، وانخفاض كثافته. وبعد ارتفاع الهواء إلى أعلى، يبرد، ويتكاثف ما به من بخار ماء، ويتساقط. وفي طبقات الجو العليا، يتشعب تيار الهواء الصاعد تيارَين: أحدهما، يتجه إلى شمال خط الاستواء؛ ويتجه الآخر نحو الجنوب (انظر شكل الدورة الهوائية العامة). وفوق دائرتَي العرض 30ْ شمال خط الاستواء وجنوبه، يكون الآتي من المنطقة الاستوائية، في طبقات الجو العليا، قد انخفضت حرارته، وازدادت كثافته، فيبدأ بالهبوط إلى أسفل، نحو سطح الأرض؛ وذلك بعد التقائه تياراً هوائياً علوياً آخر، آتٍ من الدائرة القطبية.



الهواء الهابط نحو سطح الأرض في هذه المناطق، 30 شمالاً وجنوباً، التي تسمى عروض الخيل، يتعرض لعدة تغيرات، أهمها: أنه يتضاغط، باصطدامه بسطح الأرض، وينشأ عن ذلك تكوُّن نطاق من الضغط الجوي المرتفع، على السطح. ثم إن درجة حرارته ترتفع، ورطوبته النسبية تنخفض.



ينفرق التيار الهابط نحو السطح، فوق عروض الخيل، تيارَين: أحدهما، يعود نحو خط الاستواء، متمماً الحلقة الأولى في الدورة الهوائية العامة؛ وثانيهما، يتمثل في الرياح السطحية، الناتجة من ذلك، والمتجهة من عروض الخيل نحو خط الاستواء، وتسمى الرياح التجارية[19] Trade Winds. وتعرف الرياح التجارية باستمرار هبوبها، ومحافظتها على اتجاهها؛ فهي تهب، باستمرار، من الشمال الشرقي، في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ومن الجنوب الشرقي، في النصف الجنوبي من الأرض. وهي رياح جافة، ساعدت على تكوُّن مناطق صحراوية واسعة، حول مدار السرطان، في غربي القارات، في الغالب.



تنحصر الصحاري من هذا النوع، بين دائرتَي العرض 35ْ، شمال خط الاستواء وجنوبه. ولكنها، في النصف الشمالي، أكبر اتساعاً وأعظم امتداداً؛ وذلك لاتساع رقعة اليابس في هذه العروض، وخاصة في شمالي إفريقيا، وغربي آسيا وجنوبيها؛ حيث يمتد نطاق متصل من الصحاري الحارة، من صحراء ثار Thar Desert، في شبه القارة الهندية (خط الطول 135ْ، شرقاً تقريباً)، مروراً بصحاري داشتي كافير وداشتي لوت، في إيران، وصحاري شبه الجزيرة العربية وبادية الشام، حتى الصحراء الكبرى، في إفريقيا، التي تمتد، غرباً، إلى سواحل المحيط الأطلسي (عند خط الطول 18، غرباً تقريباً).



وفي أمريكا الشمالية، تشغل الصحاري الجزء الجنوبي الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض أجزاء المكسيك من دائرة العرض 35ْ، شمالاً. ولكن ضيق رقعة اليابس الأمريكي الشمالي، جنوب دائرة العرض 30ْ، شمالاً ـ أسهم في تلطيف حدة الجفاف، ووصول بعض المؤثرات المحيطية الرطوبية، من خليج المكسيك والمحيط الهادي إلى تلك المناطق؛ ما جعلها، من الناحية النباتية، على الأقل، تصنف مناطق شبه الصحراوية، مثل صحراء سونوران[20] Sonoran، في ولاية أريزونا، وصحراء موجاف[21] Mojave Desert، وصحراء كلورادو[22] Colorado Desert (انظر شكل صحارى تكونت بسبب الدورة الهوائية العامة)



تقلّ مساحة المناطق الصحراوية، في النصف الجنوبي، عنها في النصف الشمالي؛ لضيق مساحة اليابس في أولهما، واتصال سلاسله الجبلية العالية؛ فليس في أمريكا الجنوبية مساحات صحراوية كبيرة. ويقتصر الامتداد الصحراوي، في نطاق الرياح التجارية، على صحراء أتاكاما[23] التي تمتد على شكل شريط ساحلي، على المحيط الهادي، من دائرة العرض 6ْ، جنوب خط الاستواء، حتى دائرة العرض 30ْ، جنوباً. ويقطع اتصال السلاسل الجبلية أيّ امتداد للظروف الصحراوية نحو الداخل.



وتمتد أراضٍ صحراوية على الساحل الغربي من جنوبي القارة الإفريقية، تتمثل في صحراء ناميبا[24] Namib Desert، وصحراء كلاهاري[25] Kalahari Desert. وتغطي هذه الأراضي الصحراوية المتصلة، شريطاً ساحلياً، من سواحل أنجولا، عند دائرة العرض 15ْ، جنوب خط الاستواء، حتى وسط جنوب إفريقيا، عند دائرة العرض 33ْ، جنوباً. ودرجات الحرارة فيها، تمتاز بالاعتدال. وتقلّ حدة الجفاف، بالاتجاه جنوباً. ويتحول الإقليم إلى النمط شبه الصحراوي، في كلاهاري (انظر شكل صحارى تكونت بسبب الدورة الهوائية العامة).



وفي أستراليا، تغطي الأراضي الصحراوية الجافة، معظم وسط القارة وغربيها. بين دائرتَي العرض 20ْ و30ْ، جنوب خط الاستواء. ومن أهم المناطق الصحراوية في وسطها: صحراء سترت ستوني[26] Sturt Stony Deset؛ وصحراء سيمبسون Simpson Desert، ويطلق عليها، أحياناً، صحراء أورنيتا Arunta Desert، وتبلغ مساحتها 195 ألف كيلومتر مربع.



لا يتجاوز المعدل السنوي للتساقط في صحاري أستراليا 130ملم؛ ولكن هناك مناطق واسعة شبه صحراوية، على حافة الصحراء؛ قد يتجاوز معدل التساقط السنوي فيها 200ملم.



(ب) صحاري السواحل الموازية لاتجاه الرياح. حين تهب الرياح، بموازاة خط الساحل، فإنها لا تجبر على الارتفاع، لتسقط ما تحمله من بخار ماء؛ فتحتفظ بما تحمله من رطوبة، على الرغم من جفاف الأراضي، التي تهب عليها. وينجم عنها انقلاب المياه الساحلية، وانبثاق مياه الأعماق الباردة؛ ما يسهم في تقليل معدلات التبخر من سطح البحر، في المناطق القريبة من الساحل؛ وقد يساعد، كذلك، على تكوُّن الضباب، في طبقات الجو الدنيا، الناتج عن هبوب الرياح الرطبة فوق سطح الماء البارد.



ومن أبرز الأمثلة، في هذا المجال: القرن الإفريقي، وصحراء الصومال (انظر شكل صحارى تكونت بسبب الدورة الهوائية العامة)، التي يعزى جفافها الشديد إلى هبوب الرياح بموازاة الساحل. فالرياح التجارية، تهب نحو خط الاستواء، جنوبية شرقية، في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نحو السواحل الإفريقية من المحيط الهندي، محملة بالرطوبة، وبخار الماء. وحينما تعبُر خط الاستواء، تنحرف إلى يمين اتجاهها، بتأثير قوة كوريولس[27]، ودوران الأرض حول نفسها؛ فتتحرك من خط الاستواء، شمالاً، من الجنوب الغربي، نحو الشمال الغربي، بموازاة الساحل الإفريقي، في الصومال والقرن الإفريقي.



تدفع الرياح مياه البحر السطحية، أمامها، حينما تهب بموازاة الساحل. ولكن المياه تتحرك تبعاً للقوانين الفيزيائية. فتنحرف 45ْ إلى يمين اتجاه الرياح المحركة لها، مبتعدة عن الساحل؛ فتتحرك مياه باردة، من الأعماق، لتحل محل المياه السطحية المزاحة؛ ما يسهم في ازدياد الجفاف، وتناقص فرص التساقط.



أ. الغطاء النباتي (الصحراوي)



ترمز الصحراء إلى قِلة الغطاء النباتي وضعفه وتشتته. ويترتب على الجفاف الشديد عدد من المظاهر السلبية الأخرى، التي تعوق نمو غطاء نباتي غني فيها. فإلى جانب الظروف المناخية القاسية، على النباتات الصحراوية، أن تتحمل عدداً من السلبيات، أهمها:



(1) ارتفاع المدى الحراري للتربة، نتيجة لارتفاع الحرارة نهاراً؛ وانخفاضها، ليلاً، انخفاضاً سريعاً؛ نتيجة لجفافها.



(2) ارتفاع معدلات البخر، وانخفاض رطوبة التربة.



(3) تفكك التربة ورقّتها، وانكشاف سطحها لعوامل التعرية.



(4) ارتفاع نسبة المعادن والأملاح في التربة.



(5) انخفاض نسبة المادة العضوية، أو انتفاؤها من التربة.



(6) ضعف تطور التربة، وبطء عملياته.



(7) التفاوت الشديد في كميات المياه، بين موسم وآخر.



ويمكن القول، إن هذه السلبيات كلّها ناجمة عن ضعف الدورة الهيدرولوجية، في الأراضي الصحراوية الجافة.



وتمتاز النباتات الصحراوية بقدرتها على تحمّل ارتفاع الأملاح، وتجنُّب آثارها السامة، في التربة والمياه الجوفية. ويمكن تمييز نوعَين من أنماط النمو النباتي في الصحاري:



(أ) نباتات تتجنب الجفاف، فلا تنمو إلا خلال الفصول، التي تتوافر بها ظروف ملائمة لنموها، وبخاصة الرطوبة. ويطلق عليها النباتات العابرة Ephemerophytes، أو النباتات الموسمية أو الحولية.



(ب) نباتات تقضي جزءاً، طويلاً أو قصيراً، من دورة نموها، في الفصول الجافة؛ فهي نباتات معمرة، تغالب الجفاف، بعدة وسائل، للحصول على قدر كافٍ من الرطوبة، للبقاء. ويطلق عليها النباتات الجفافية Xeroplsytes، أو شبه الجفافية Mesophytes.



(1) النباتات الحولية



وهي نباتات عشبية ضعيفة، تتجنب الجفاف، وليس لها خواص مقاومته. لها دورة حياة قصيرة جداً، لا تتعدى بضعة أسابيع؛ بل إن منها ما يزهر، وينثر بذوره، ويموت، في ثمانية أيام فقط، مثل النبات المسمى مداد أو الحثرة Boerhavia repens، التي توجد في الصحراء العربية، وفي الحافات الجنوبية للصحراء الكبرى.



تنمو هذه النباتات، وتزهر، في الفصل الرطب من السنة، بعد سقوط الأمطار. ويحدد فترة نموها، ودورة حياتها، طول فصل الأمطار. فهي لا تلبث أن تكمل دورة حياتها، في فترة، ترواح بين 5 و9 أسابيع؛ ثم تنثر بذورها في التربة، وتموت (انظر صورة أعشاب حولية). وتمكث هذه النباتات، طوال فصول الجفاف، مطمورة في التربة، على شكل بذور، إلى موسم سقوط المطر التالي، لتنمو من جديد. ولهذه البذور المطمورة القدرة على البقاء في التربة، عدة مواسم، فلا تنمو حتى تتهيأ ظروف ملائمة لنموها. والملاحظ أن للنباتات الحولية القدرة على النمو فوق أنواع متباينة من الترب والفرشات الأرضية. فهي تنمو على المسطحات الرملية (انظر صورة نباتات حولية على الرمال)، كما يمكنها النمو على الفرشات الحصوية المستوية وعلى سفوح الجبال (انظر صورة نباتات حولية صحراوية).



ويتفادى بعض أنواع النباتات الصحراوية الجفاف، بطريقة أخرى؛ إذ تعيش، على شكل بصل ودرن، تحت سطح التربة، طوال موسم الجفاف؛ ويطلق عليها النباتات الأرضية[28]  Geophytes. وتنمو الأجزاء الظاهرة من هذه النباتات فوق سطح التربة، في موسم الأمطار فقط، وتموت في موسم الجفاف، مرة أخرى.



وتمتاز النباتات الصحراوية، التي تتجنب الجفاف، والتي تشمل الحوليات سريعة الزوال، والنباتات التي تبقى خامدة، ولا تبدو عليها مظاهر الحياة، إلا عند سقوط الأمطار، بعدة ميزات، أهمها:



* دورة حياتها قصيرة جداً، وتتأقلم مع طول فصل المطر؛ فيمكنها النمو، والإزهار، ونثر البذور خلال موسم المطر.



* اقتصادية جداً في احتياجاتها: الرطوبية والمائية؛ فهي إلى جانب أنها نباتات، في الغالب، صغيرة، وأنها ليست نباتات جفافية أصلاً، فإن حاجاتها المائية قليلة. فكمية المياه التي تحتاج إليها هذه الأنواع من النباتات، لإتمام دورة حياتها، قليلة جداً، مقارنة بالنباتات من الحجم نفسه، في البيئات الأخرى.



* قدرتها على تحمل الملوحة العالية، في التربة والمياه؛ إذ يسفر تذبذب الأمطار وقلّتها، عن ضعف عمليات غسل التربة، وتركُّز المحلول الملحي، الذائب من الصخور: الجيرية والكلسية، في الماء البيني، الموجود في فراغات التربة. وعلى الرغم من أن نمو النباتات الحولية في الفصل الرطب من السنة، يرتبط بانخفاض تركُّز المحلول الملحي في الماء البيني في التربة الصحراوية، الناتج من تسرب مياه الأمطار في الطبقة السطحية من التربة، التي تمد فيها النباتات جذورها، إلا أن معدلات الملوحة في التربة، تظل مرتفعة، مقارنة بالبيئات الأخرى.



تشكل النباتات الحولية غالبية نباتات البيئة الصحراوية، إذ تناهز نسبتها 60% منها؛ على الرغم من أنها تعَد غير مقاومة للجفاف، بل هي تتحاشاه، وقد تهلك، إبّانه، أو تختفي تحت سطح التربة.










[1] التبخرنتح Evapotranspiration: إجمالي الفاقد الرطوبي من طريقي التبخر من التربة Evaporation والنتح Transpiration من النبات.



[2] Rn = صافي الإشعاع عند سطح الأرض Net ratiation at crop surface (MJ M-2 day –1).



[3] G = كثافة تبادل التربة الحراري Soil heat flux density (Mj m-2 day-1)



[4] T = المتوسط اليومي لدرجات الحرارة على ارتفاع مترين من السطح Mean daily temperature (oC)



[5] U2 = سرعة الرياح علىارتفاع مترين من السطح Wind speed et 2m height (ms-1)



[6] es = الضغط الإشباعي لبخار الماء Saturation vapor pressure (Kpa)



[7] ea = الضغط الفعلي لبخار الماء actual vapor pressure (Kpa)



[8] es-ea = العجز في ضغط بخار الماء الإشباعي Saturation vapor pressure dificit (Kpa)



[9] ?ea = انحدار منحنى ضغط بخار الما Slope of vapor pressure curve (Kpa oC-1)



[10] ظل المطر Rain shadow: يقال للمنطقة أنها واقعة في ظل المطر إذا كان ما يصلها من تساقط أقل مما هو متوقع بالنظر إلى موقعها من دوائر العرض، وقلة التساقط ناتجة من وقوعها خلف مرتفعات تستقبل الرياح المحملة ببخار الماء فتسقط أمطارها عند ارتفاعها، وبانحدار الرياح على الجانب الآخر للمرتفعات تكون قد أسقطت حمولتها من بخار الماء، وترتفع حرارتها ويزداد جفافها النسبي فتؤدي إلى جفاف الأرض.



[11] الأمطار التضاريسية Orographic precipitation: الأمطار التي تحدث بسبب الارتفاع القسري للهواء الرطب فوق الحواجز الجبلية.



[12] رياح تشينهوك Cinhook Winds: رياح محلية تهب في أوقات معينة منحدرة على الجانب غير المواجهة للرياح من مرتفعات الروكي في أمريكا الشمالية. وهي رياح شديدة الجفاف منخفضة الرطوبة النسيبة.



[13] بتاجونيا Patagonia: إقليم شبه صحراوي في جنوب الأرجنتين إلى الشرق من جبال الأنديز، تعمره نباتات صحراوية شوكية تقد ومساحته بنحو 777 ألف كيلومتر مربع.



[14] نظام ضد إعصاري Anti-Cyclonic System: خلية ضخمة من الضغط الجوي المرتفع على سطح الأرض، تمتاز بهواء هابط من طبقات الجو العليا. ويؤدي هبوط الهواء نحو سطح الأرض إلى تضاغطه عند اصطدامه بالسطح مما يرفع الضغط الجوي، ويرفع حرارة الهواء، وقابليته لحمل بخار الماء. ويحول ارتفاع الضغط الجوي دون توغل الرياح الحاملة للمطر إلا في حالات استثنائية نادرة.



[15] بحر قزوين Caspian Sea: أكبر مسطح مائي داخلي، يقع في جنوب شرق أوروبا، وفي غرب آسيا. ويغطي قرابة 371000 كيلومتر مربع. يبلغ متوسط عمقه 170 متر، ومعدل ارتفاع سطحه 28 متر تحت مستوى سطح البحر.



[16] كاراكوم Kara Kum: على السواحل الشرقية لبحر قزوين.



[17] جوبي Gobi: أكثر صحاري العالم بعداً نحو الشمال؛ لذلك، فهي أبرد صحاري شمال الصين. وتغطي قرابة 1300000 كيلومتر مربع.



[18] تكلامكان Takla Makan: صحراء في حوض تاريم في وسط آسيا، تقدر مساحتها بنحو 300000 كيلومتر مربع، كانت من مراكز الحضارة البوذية، ولكنها اضمحلت غير مأهولة. معظم سطحها تغطيه الكثبان الرملية.



[19] الرياح التجارية Trade Winds: رياح سطحية في العروض الدنيا، تتحرك من دائرتي عرض 30ْ شمال وجنوب خط الاستواء، نحو خط الاستواء. وهذه الرياح تمثل الشرقيات المدارية.



[20] صحراء سونوران Sonoran Deset: إقليم صحراوي واسع في جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية، وشمال غرب المكسيك. تبلغ مساحتها 310000 كيلومتر مربع. تطل على سواحل المحيط الهادي، وتتصل بصحراء موجاف mojave Deset من ناحية الشمال. وتعد احد أشد أقاليم أمريكا الشمالية جفافاً وحرارة. يصل التساقط السنوي بها إلى 250 ملم، وقد تتجاوز درجات الحرارة 39ْ مئوية.



[21] صحراء موجاف Mojave Desert: إقليم صحراوي جاف في جنوبي ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، تصل مساحته إلى 38850 كيلومتر مربع. تفصلها جبال برناردينو Bernardino، وجبال تشوكليت Chocolate عن صحراء كلورادو Colorado Desert.



[22] صحراء كلورادو Colorado Desert: تقع في جنوب غربي الولايات المتحدة الأمريكية من أهم مظاهرها أن مستوى السطح في معظم أراضيها (256000 كيلومتر مربع) تحت مستوى سطح البحر، بما في ذلك بحيرة سالتون Salton Sea تتسم أراضي صحراء كلورادو، مثل بقية الصحاري، بالجفاف والمدى الحراري الكبير. فالتساقط لا يتعدى 100 ملم في السنة، والمدى الحراري السنوي قد يصل إلى 46ْ مئوية.



[23] صحراء أتكاما Atacama Desert: أحد أكثر الصحاري جفافاً في العالم. تمتد في شمال تشيلي على شكل شريط ساحلي على المحيط الهادي، تحفها جبال الأنديز من الشرق. ورغم ذلك فمعدلات درجات الحرارة فيها أكثر اعتدالاً مما هو متوقع نسبة لموقعها المداري تغطي مساحة تقدر بحوالي 363000 كيلومتر مربع، وهي فقيرة جداً في الغطاء النباتي. وكانت هذه الأراضي محل صراع بين تشيلي وبيرو وبوليفيا في القرن التاسع عشر الميلادي، لما بها من ثروات معدنية تتمثل في الصوديوم والرصاص.



[24] صحراء نامبيا Namib Desert: تمتد على الساحل الغربي لإفريقيا جنوب خط الاستواء من دائرة عرض 15ْـ30ْ جنوباً تقريباً. معظمها يمتد في الأراضي الناميبية. وهي تمتد على شكل شريط طولي على طول ساحل المحيط الأطلسي لمسافة تصل إلى 1930 كيلومتر، بعرض يبلغ 160 كيلومتر، لا يتجاوز التساقط السنوي 60 ملمتراً. وتتصل أراضيها بصحراء كلاهاري في الجنوب. ودرجات الحرارة معتدلة، بتأثير التيارات البحرية.



[25] صحراء كلاهاري Kalahari Desert: تقع في جنوب إفريقيا. وهي أراضي صحراوية وشبه صحراوية تغطي أراضي تقدر مساحتها بنحو 712250 كيلومتر مربع.



[26] صحراء سترت ستوني Sturt Stony Desert: أراضي جافة تحت مدارية في وسط استراليا. تصل مساحتها إلى 52000 كيلومتر مربع. لا يتعدى متوسط التساقط السنوي فيها 130ملم في السنة. أخذت تسميتها من أراضيها الحصوية، إذ تغطي مساحات منها رواسب سميكة من الحصباء. وتتصل بها صحراء سمبسون Simpson Desert التي تغطي مساحة تصل إلى 143000 كيلومتر مربع وقد يطلق عليهما معاً أورنتا Arunta Desert.



[27] قوة كورويوليس Coriols Force: أثر دوران الأرض حول نفسها، وينتج عنه انحراف بمقدار معين يمكن حسابه لأي جسم يتحرك على الأرض إلى يمين اتجاهه في نصف الكرة الأرضية الشمالي وإلى يسار اتجاهه في نصف الكرة الجنوبي.



[28] النباتات الأرضية Geophytes: نباتات تنمو في المناطق الجافة تتماشى الجفاف بالبقاء على شكل أبصال أو درنات تحت سطح التربة طوال موسم الجفاف، وتظهر أجزاؤها العلوية فوق السطح في موسم المطر.



[29] مستوى الماء القاعدي Water table: سطح، في الأحواض الارتوازية غير المحصورة، يفصل النطاق المشبع من التربة، تحته، عن النطاق غير المشبع من التربة، فوقه. ويعرّف ذلك المستوى بأنه النقطة التي كون ضغط الماء الجوفي عندها صفراً. وهو أقصى ارتفاع يصل إليه الماء الجوفي في آبار الخزانات الجوفية غير المحصورة.



[30] الألبيدو Albedo: نسبة الأشعة الكهرومغناطيسية المنعكسة من السطح.





شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook