لا يمر عليّ يومٌ – في وسائل التواصل الأجتماعي – دون سؤال من الجمهور: كيف أصبح رحالةً؟ وشخصياً لم أعرف إجابة هذا السؤال من قبل، لإن دخولنا في عالم الرحلة والإستكشاف كان إرتجالاً ونتيجة لخبرات تراكمية لم يكن مخطط لها من قبل، لذا لا أجد أجابة معلبةً جاهزةً لهذا السؤال.
ولطالما قسمت السفر إلى عدة درجات مختلفة: أولاً السفر، ثم السياحة، وأخيراً الرحلة. وفي عالم الرحلة هناك أكثر من صنف للرحالة، وأصنف نفسي رحالةً اجتماعياً يهتم باكتشاف الثقافات والمدن.
إجابتني ستقتصر على الرحالة الأجتماعي فقط. ولإن الكثير يعتقد بإن أول خطوات الرحلة أن تشتري ماديات وحاجيات تصنع منك رحالة! قررت أن أكتب هذا المقال. و سأحاول جمع عدة نقاط إرتكاز أساسية تشكل بداية جيدة لكل رحالة:
ماذا ألبس؟ أي شنطة تنصح بها؟ ما هي المعدات اللازمة؟…إلخ. هذه كلها أشياء شكلية وديكورات غير مهمة.
المهم هو تواضع روحك وقبولها للآخرين، المهم أن لا تشعر بإنك أرقى أو أفضل أو أسعد منهم بشيء، اللحظة التي تشعر فيها بتقزز أو نفور من ثقافة أو مجتمع أو شخص، يعني أنك قد بنيت حاجزاً غليظاً سيمنعك من التمازج معهم.
هل رأيت شيخ الدين الذي يقيم الليل ويصوم النهار ويرى نفسه أحقر الخلق وأصغرهم، ذلك مكانك في الرحلة، أقل الناس قدراً وأوضعهم ثقافة. وستكتشف حينها أن الآخرين – ممن استصغرتهم – يملكون أشياء لا تشترى.
هذه الروح المتواضعة – وحدها – تجعلك تشارك عشرة أرجنتينين في شرب المتة من مصاص واحد، ومن بعدها ستدخل معهم في ثرثرة لا تنتهي تفهم من خلالها العقد الأرجنتينية المتراكمة في دواخلهم.
هذه الروح تجعلك تجلس مع الاثيوبين في غرفة “البركة” حيث يتناولون القات ولتنكشف اسرارهم ودواخلهم.
هذه الروح المنفتحة تعطيك تلك اللمسة الحانية التي تمسح فيها على أي مجتمع لتخرج الجنيَّ من المصباح. لا زلت أذكر حينما كنت في ماراكايبو في فنزويلا – من أخطر المدن العالم- حيث كنت أتنقل بكيس بلاستيكي يجمع احتياجاتي، وكانت من أسعد أسفاري وأكثرها عمقاً وغوراً في مدينة لا يجرؤ أحد على زيارتها، لكن الروح المنفتحة هي من تفتح لك المصاريع.
بقدر ما تقرأ عن المجتمع، بقدر ما تتفتح لك الحوارات والأبواب والبيوت. وكلّ ما عرفت أكثر عن المدينة، كلما سهل عليك تكوين علاقة حب ناضجة معها.
والمعلومات قد تكون: تاريخاً (مادتي المفضلة)، سياسةً، رياضة (التي أجهلها) اجتماعاً، أخباراً، أقتصاداً، رموزاً، فنوناً… ونوعية المعلومات ستقودك إلى نوعية العلاقات البشرية التي ستنسجها.
فمعرفتك – مثلاً – بـ”كرة القدم” ستعرفك بالطبقة التي تعشق الكرة، بينما معرفتك بالسياسة ستفتح لك أبواب المهتمين بالشأن السياسي. ونصيحتي في تجميع المعلومات عن المدينة تتدرج على النحو التالي:
أعتقد ان تجهيز عقلك بكل أو بعض ما سبق سيسهل عليك رحلتك.
المواقع الالكترونية أصبحت تسهل التعارف على الناس، ما عليك إلا ان تكتب شيئا من أهتماماتك في جوجل وستجد العجب العجاب، ولا يزال الفيس بوك هو الأقوى والأكثر تأثيراً في تكوين علاقات دولية.
أوصيكم بالرحالة المدونين، فهم ينقلون الكثير من المعلومات المعاصرة عن الدول، فهم يقدمون أدب رحلات تفاعلي ومعلومات طازجة.
أما الفيديويين VLOGGERS فهم مدونون يقدمون مذكراتهم اليومية بالفيديو، ولهم مدوناتهم الخاصة او قنوات على اليوتيوب.
وإذا كانت العرب ترى الفصاحة في الإيجاز، أوجز الأجابة على سؤال كيف تكون رحالة؟ بعبارة واحدة: القليل من الجرأة والكثير من الثقافة.